الشيخ علي المشكيني
42
تحرير المواعظ العددية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون . كم من مستقبل يوما لا يستكمله ، ومنتظر غدا لا يبلغه . عجبت لغافل لا يغفل عنه ! عجبت لمؤمّل دنيا والموت يطلبه ، وعجبت لضاحك ملء فيه ولا يدري أرضى اللّه أم أسخطه . يا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور ! عجبا للمؤمن ! فو اللّه لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلّا كان له خيرا . اقتربت السّاعة ولا يزداد الناس على الدّنيا إلّا حرصا ، ولا تزداد منهم إلّا بعدا . يذهب الصّالحون أسلافا الأوّل فالأوّل حتّى لا يبقى إلّا حثالة « 1 » كحثالة التمر والشعير لا يبالي اللّه بهم . يبصر أحدكم القذى « 2 » في عين أخيه ويدع الجذع « 3 » في عينه ! كبرت خيانة أن تحدّث أخاك حديثا هو لك به مصدّق وأنت له كاذب . كأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب ، وكأنّ الموت فيها على غيرنا كتب ، وكأنّ الّذين نشيّع من الأموات سفر عمّا قليل إلينا عائدون ، نبوّئهم أجداثهم ، ونأكل تراثهم « 4 » ، كأنّا مخلّدون بعدهم قد نسينا كلّ واعظة وأمنّا كلّ جائحة « 5 » ( الخافة خ ل ) . طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وأنفق من مال اكتسبه ، من غير
--> ( 1 ) . الحثالة - بالضم - : ما يسقط من قشر الشعير والأرزّ والتّمر وكلّ ذي قشر إذا نقي ، وحثالة الدهن ثفله فكأنّه الرديء من كلّ شيء . ( 2 ) . القذى : جمع قذاة ؛ وهو ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك ( النهاية : 4 / 30 ) . ( 3 ) . في بعض المصادر : « الجذل » بدل « الجذع » وهو أصل الشجرة يقطع ، هذا أصله . وربما جعل العود جذلا ، وفي بعض الحديث « كيف تبصر القذاة في عين أخيك ولا تبصر الجذل في عينك » ( غريب الحديث لابن قتيبة : 1 / 104 ) . ( 4 ) . التّراث : ما يخلفه الرجل لورثته ، والتاء فيها بدل من الواو ( النهاية : 1 / 182 ) . ( 5 ) . الجائحة : هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها ، وكلّ مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة : جائحة ( النهاية : 1 / 300 ) .